عبد القاهر الجرجاني

18

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )

فإن أردت أن تعرف مثالا فيما ذكرت لك ، من أن العارفين بجواهر الكلام لا يعرّجون على هذا الفنّ إلا بعد الثقة بسلامة المعنى وصحّته ، وإلا حيث يأمنون جناية منه عليه ، وانتقاصا له وتعويقا دونه ، فانظر إلى خطب الجاحظ في أوائل كتبه هذا - والخطب من شأنها أن يعتمد فيها الأوزان والأسجاع ، فإنها تروى وتتناقل تناقل الأشعار ، ومحلّها محلّ النسيب والتشبيب " 1 " من الشعر الذي هو كأنه لا يراد منه إلّا الاحتفال في الصنعة ، والدّلالة على مقدار شوط القريحة " 2 " ، والإخبار عن فضل القوة ، والاقتدار على التفنّن في الصنعة - قال في أول كتاب الحيوان : " جنّبك اللّه الشّبهة ، وعصمك من الحيرة ، وجعل بينك وبين المعرفة سببا ، وبين الصدق نسبا ، وحبّب إليك التثبّت ، وزيّن في عينك الإنصاف ، وأذاقك حلاوة التقوى ، وأشعر قلبك عزّ الحق ، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذلّ اليأس ، وعرّفك ما في الباطل من الذلّة ، وما في الجهل من القلّة " . فقد ترك أوّلا أن يوفّق بين " الشبهة " و " الحيرة " في الإعراب ، ولم ير أن يقرن " الخلاف " إلى " الإنصاف " ، ويشفع " الحق " " بالصدق " ، ولم يعن بأن يطلب " لليأس " قرينة تصل جناحه ، وشيئا يكون رديفا له ، لأنه رأى التوفيق بين المعاني أحقّ ، والموازنة فيها أحسن ، ورأى العناية بها حتى تكون إخوة من أب وأمّ ؛ ويذرها على ذلك تتّفق بالوداد ، على حسب اتّفاقها بالميلاد ، أولى من أن يدعها ، لنصرة السجع وطلب الوزن ، أولاد علّة " 3 " ، عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا في الظواهر ، فأما أن يتعدّى ذلك إلى الضمائر ، ويخلص إلى العقائد والسّرائر ، ففي الأقلّ النادر . وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا ، ولا سجعا حسنا ، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه ، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا ، ولا تجد عنه حولا ، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه ، وأحقّه بالحسن وأولاه ، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه ، وتأهّب لطلبه ، أو ما هو - لحسن ملاءمته ، وإن كان مطلوبا - بهذه المنزلة وفي هذه الصورة ، وذلك كما يمثّلون به أبدا من قول الشافعي رحمه اللّه تعالى وقد سئل عن النّبيذ فقال : " أجمع

--> ( 1 ) نسب بالمرأة : - كنصر وضرب - وصف محاسنها بالشعر ، والنسيب والتشبيب بالنساء واحد . ( 2 ) الشوط : هو الجري مرة واحدة إلى غاية . ( 3 ) أولاد العلة والعلات : هم الذين أبوهم واحد ، وأمهاتهم شتى ، وقد ورد في الحديث : " نحن معشر الأنبياء إخوة لعلات " يقصد أن الدين واحد والشرائع شتّى .